الغزالي
187
إحياء علوم الدين
صنف ينظرون ، وصنف يصافحون ، وصنف يعملون فإذا آفة النظر إلى الأحداث عظيمة . فمهما عجز المريد عن غض بصره ، وضبط فكره فالصواب له أن يكسر شهوته بالنكاح ، فرب نفس لا يسكن توقانها بالجوع وقال بعضهم : غلبت عليّ شهوتي في بدء إرادتي بما لم أطق : فأكثرت الضجيج إلى الله تعالى . فرأيت شخصا في المنام ، فقال ما لك ؟ فشكوت إليه ، فقال تقدم إلي ، فتقدمت إليه . فوضع يده على صدري ، فوجدت بردها في فؤادي وجميع جسدي . فأصبحت وقد زال ما بي . فبقيت معا في سنة . ثم عاودني ذلك ، فأكثرت الاستغاثة ، فأتاني شخص في المنام فقال لي أتحب أن يذهب ما تجده وأضرب عنقك ؟ قلت نعم . فقال مد رقبتك ، فمددتها فجرد سيفا من نور ، فضرب به عنقي ، فأصبحت وقد زال ما بي ، فبقيت معافى سنة . ثم عاودني ذلك أو أشد منه ، فرأيت كأن شخصا فيما بين جنبي وصدري يخاطبني ويقول ، ويحك كم تسأل الله تعالى رفع ما لا يحب رفعه ! قال فتزوجت ، فانقطع ذلك عنى ، وولد لي ومهما احتاج المريد إلى النكاح ، فلا ينبغي أن يترك شرط الإرادة في ابتداء النكاح ودوامه . أما في ابتدائه ، فبالنية الحسنة . وفي دوامه بحسن الخلق ، وسداد السيرة ، والقيام بالحقوق الواجبة ، كما فصلنا جميع ذلك في كتاب آداب النكاح ، فلا نطول بإعادته . وعلامة صدق إرادته ، أن ينكح فقيرة متدينة ، ولا يطلب الغنية قال بعضهم . من تزوج غنية كان له منها خمس خصال ، مغالاة الصداق ، وتسويف الزفاف ، وفوت الخدمة ، وكثرة النفقة ، وإذا أراد طلاقها لم يقدر خوفا على ذهاب مالها والفقيرة بخلاف ذلك . وقال بعضهم ، ينبغي أن تكون المرأة دون الرجل بأربع ، وإلا استحقرته ، بالسن ، والطول ، والمال ، والحسب ، وأن تكون فوقه بأربع ، بالجمال ، والأدب ، والورع ، والخلق . وعلامة صدق الإرادة في دوام النكاح الخلق تزوج بعض المريدين بامرأة ، فلم يزل يخدمها حتى استحيت المرأة ، وشكت ذلك إلى أبيها ، وقالت قد تحيرت في هذا الرجل . أنا في منزله منذ سنين ، ما ذهبت إلى الخلاء قط ، إلا وحمل الماء قبلي إليه وتزوج بعضهم امرأة ذات جمال . فلما قرب زفافها ، أصابها الجدري . فاشتد حزن